محمد سعيد رمضان البوطي
6
من روايع القرآن
بيانه ، إلا وتهتز منه الجوانح طربا لرائع قوله وسمو إشراقه ، ثم يقف مستسلما مشدوها تحت مظلة إعجازه ! . . . لا يحول دون استعلانه بذلك فكر عرف به أو هوى يميل إليه أو عصبية تسيطر عليه . هذا ، على الرغم مما انحدرت إليه الدراسات العربية من الضحالة والسطحية والضعف ، ومع كل ما انتهى إليه طلابها من فساد الذوق وعجمة اللسان وفهاهة البيان . وأشهد لو أن العربية كانت تعيش على ألسنة العرب اليوم أيام شبابها ، إذا لكان للقرآن أثر فريد في حياتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية . ولكن عدوا شرسا لهذه الأمة عرف كيف يسدد الطعنة إليها ، وأدرك السبيل إلى تجفيف روافد العز في حياتها ، فانحطّ في أسباب الكيد لثقافتها العربية وذاتيتها الإسلامية ، عن طريق إبعادها عن سلطان هذا الكتاب وحجبها عن أسباب التأثّر به . وإن التاريخ ليرصد السعي إلى هذه المكيدة بإحصاء دقيق ، وإن ذهل عنه كثير من السادرين والسكارى من أهله ، وإنه ليذكر ولا ينسى يوم وقف وزير المستعمرات البريطاني « غلادستون » بين زملائه في مجلس الوزراء يقول ، وقد أمسك بيده قرآنا يلوّح إليهم به : لن تحقّق بريطانيا شيئا من غاياتها في العرب والمسلمين إلا إذا سلبتهم سلطان هذا الكتاب أولا . أخرجوا سرّ هذا الكتاب مما بينهم تتحطم أمامكم جميع السدود « 1 » ! . . . وبعد ، فإن الإحاطة بأسرار هذا الكتاب وجوانب إعجازه ، أمر
--> ( 1 ) كان هذا التصريح عام 1895 .